الجاحظ
304
المحاسن والأضداد
بينهم مطروحا لكل عمل دنيء ، للعبودية تارة ، ولرعي الإبل أخرى ؛ فبينا أنا ذات يوم تعب مكتئب ، إذا ضل لنا بعير ، فتوجّه اخوتي كلهم في بغائه ، فلم يقدروا عليه ، فأتوا أبي وقالوا : « ابعث فلانا ينشد لنا هذا البعير » ، فدعاني أبي وقال : « اخرج فأنشد هذا البعير » . فقلت : « واللّه ما أنصفتني ولا بنوك . أما إذا الإبل درّت ألبانها ، وطارت ركوبها ، فأنتم جماعة أهل البيت أربابها ، وإذا ندّت ضلالها فأنا باغيها » . فقال : « قم ، يا لكع ، فإني أراه آخر يومك » . فغدوت مقهورا ، خلق « 1 » الثياب ، حتى أتيت بلادا لا أنيس بها ، فطفقت يومي ذلك أجول في القفر ، فلما أمسيت ، رفعت لي أبيات ، فقصدت أعظم بيت منها ، فإذا امرأة جميلة مخيلة للسؤدد والجزالة ، فبدأتني بالتحية وقالت : « انزل عن الفرس ، وأرح نفسك » . فأتتني بعشاء ، فتعشيت ، وأقبلت هذه تسخر مني وتقول : « ما رأيت كالعشية أطيب ريحا منك ، ولا أنظف ثوبا ، ولا أجمل وجها » . فقلت : « يا هذه دعيني وما أنا فيه ، فإني عنك في شغل شاغل » ، فأبت عليّ وقالت : « هل لك أن تلج على السجف إذا نام الناس » ؟ فأغراني - واللّه - الشيطان ؛ فلما شبعت من القرى ، وجاء أبوها واخوتها ، فضجعوا أمام الخيمة ، قمت ووكزته برجلي . قالت : « ومن أنت » ؟ قلت : « الضيف » . قالت : « لا حيّاك اللّه ، أخرج ، عليك لعنة اللّه » ؛ فعلمت أني لست في شيء من أمرها ؛ فولّيت راجعا ، فواثبني كلب كأنه السبع لا يطاق ، فأراد أكلي ، فأنشب أنيابه في مدرعة صوف كانت عليّ ، وجعل يمزّقني ، فردّني القهقري ، وتعذّر عليّ الخلاص ، فأهويت أنا والكلب من قبل عقبي في بئر أحسن اللّه إليّ أنه لا ماء فيه ؛ فلما سمعت المرأة الواغية ، أتت بحبل فأدلته ، وقالت : « ارتق ، لعنك اللّه ؛ فو اللّه لولا أنه يقتصّ أثري غدا ، لوددت أنها قبرك » .
--> ( 1 ) خلق الثياب : بالي الثياب والجمع خلقان واخلاق .